الحكيم الترمذي

105

ختم الأولياء

تلك هي الأبحاث المختلفة والافكار العديدة التي عالجها كتاب « ختم الأولياء » وتناولها بالعرض والمناقشة والتحليل . ونستطيع على ضوء ما تقدم ، ان نقرر ان فصول هذا السفر القيّم تدور حول هذه المواضيع الأساسية المحددة : 1 : النشاط الروحي في دائرة الصدق وفي دائرة المنة . 2 : مشكلة الظاهر والباطن . 3 : النبوّة والولاية والرسالة وصلاتها العامة ومميزاتها الخاصة . * * * في نظر شيخ خراسان ، الحياة الروحية يتحقق كيانها وتبرز آثارها في نطاقين اثنين أو في مجالين اثنين : في مجال « الصدق » اي المجهود الانساني البحت ؛ وفي مجال « المنّة » ، اي العطاء الإلهي الفائق ونعمته السامية . فالنشاط الروحي ، في مستوى الصدق ، يقوم على أساس ثابت من عمل الانسان واختباره الخاصّ ؛ بيد أنّه في مستوى المنة ينبشق من ينابيع الجود الإلهي وصنعه العجيب . وبتعبير آخر ، ان النشاط الروحي في دائرة المنة ينهض على فكرة « الهدى الرباني » وتدخله المباشر في كيان الانسان من اجل حياة أكمل ومصير اشرف . - وهذا التمييز بين مجالي النشاط الروحي لا يعود فقط إلى طبيعة الفرق الأساسي بين ما هو انساني بحت وما هو الاهي صميم ، ولكنه أيضا وبصورة خاصة يعود إلى الخلاف الذاتي بين مظهرين أو نمطين من الحياة الروحية : الحياة الروحية في مظهرها الانساني الخالص والحياة الروحية في مظهرها الإلهي السامي . ويقرر حكيم ترمذ ان كلّا من هذين النمطين للنشاط الروحي ينتظم في سلك الولاية : النمط الأول هو الولاية العامة ، أو ولاية حقوق اللّه ؛ النمط الثاني هو الولاية الخاصة ، أو ولاية اللّه حقّا ! والترمذي في عرضه لجوانب الحياة الروحية ، يصطنع جملة طيبة من الالفاظ الفنية ذات الدلالات الخاصة ، الامر الذي يوضح لنا مدى الدقة في تعبيره وعمق الاختبار في ذوقه . والواقع ان حكيم ترمذ فريد من بين سائر شيوخ التصوف القدامى في تحليله الرائع لطبيعة النفس ومدارج الترقي المعنوي وارتباط اعمال الجوارح بمنازل القلوب : انه حقّا محلل نفسي بارع ومن أساطين الحكمة الغيبية في الاسلام .